ناشطة حقوقية: ما يحدث في إيران يُعد جريمة ضد الإنسانية
بالتزامن مع تصاعد وتيرة قمع الاحتجاجات وإصدار أحكام الإعدام، تؤكد الناشطة الحقوقية نيرة أنصاري، أن ما يجري في إيران يُشكّل مصداقاً واضحاً لـ "الجريمة ضد الإنسانية"، وقابلاً للملاحقة ضمن الآليات الدولية.
شهلا محمدي
مركز الأخبار ـ في نهاية شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، اندلعت موجة جديدة من الاحتجاجات في إيران، لكنها قوبلت بقمع دموي واسع. وفي الوقت نفسه، ارتفعت وتيرة الاعتقالات بشكل ملحوظ، حيث تشير بعض التقديرات إلى اعتقال آلاف الأشخاص، بينما لم تُقدّم وسائل الإعلام الرسمية للجمهورية الإسلامية أي بيانات دقيقة أو شفافة بهذا الخصوص.
ما يظهر في الإعلام الرسمي الإيراني يقتصر على بثّ اعترافات قسرية وإصدار أحكام بالإعدام بحق المتظاهرين، وهي أحكام تُفرض في أجواء غامضة وغير شفافة.
وفي هذا السياق، أوضحت الناشطة الحقوقية نيرة أنصاري أن هذه الإعدامات المفروضة على المحتجين لا تتوافق مع المعايير القانونية، سواء في إطار القانون الداخلي للجمهورية الإسلامية أو في القانون الدولي.
وترى أن خطورة هذا المسار تكمن في انعكاساته على القرارات الدولية وردود الفعل العالمية، إذ يمكن أن يُفتح الباب أمام تحرّكات قانونية دولية ضد السلطات الإيرانية باعتبارها مسؤولة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
كيف هي ظروف المحتجين الذين تم اعتقالهم في إيران، وإلى أي مدى يتطابق ما نراه في وسائل الإعلام مع الواقع، وبصفتكِ حقوقية كيف تقيمين هذا الوضع؟
في الوضع الراهن للقانون الجنائي الدولي، فإن إثبات "جريمة ضد الإنسانية" يستلزم وجود إطار قانوني للسلوك الإجرامي، وهو إطار يقوم على هجوم واسع النطاق ومنظم ضد السكان المدنيين. هذا الطابع من "الاتساع والتنظيم" هو ما جرى بحثه في قضية بلاشكيج أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة، وأدى إلى صدور حكم ضد الآمرين والمنفذين لتلك الجرائم. وقد أكدت المحكمة في ذلك القرار أن السمة التنظيمية تتكون من أربعة عناصر أساسية.
أولاً: وجود هدف سياسي، أي خطة أو مخطط مُعد مسبقاً لتنفيذ الهجوم، أو أيديولوجية عامة تقوم على أساسها ضرورة تدمير أو إضعاف مجتمع معين. هذه العناصر كانت واضحة في الاحتجاجات الأخيرة، ولا سيما خلال الشهر الماضي.
ثانياً: ارتكاب جرائم على نطاق واسع ضد مجموعة من المدنيين، أو ارتكاب أعمال غير إنسانية بشكل متكرر، مستمر ومترابط. ففي الاحتجاجات السابقة أيضاً شهدنا مثل هذه الجرائم، وإن كانت بأبعاد أضيق؛ لكنها، حتى في تلك المرحلة، اعتُبرت وفقاً للوثائق الدولية جريمة ضد الإنسانية. وقد شدد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بإيران، وكذلك لجنة تقصي الحقائق التي أُنشئت قبل ثلاث سنوات، في تقارير متعددة على وقوع جرائم ضد الإنسانية.
ثالثاً: استخدام الموارد العامة ـ سواء العسكرية أو المدنية ـ في ارتكاب هذه الأفعال، وهو ما كان واضحاً أيضاً في الاحتجاجات الأخيرة.
رابعاً: مشاركة كبار المسؤولين السياسيين أو العسكريين في إعداد وتنفيذ هذا المخطط، وهو عنصر كان جلياً للغاية في الفترة الأخيرة. ولا يشترط أن يُعلن المخطط بشكل صريح أو تفصيلي؛ بل يمكن استنتاج وجوده من الظروف، والسياق التاريخي، ومجموعة الوقائع. وكما أُشير في الاحتجاجات السابقة، فإن الأفعال الإجرامية وقعت ضمن هذا الإطار، وكان أشخاص مثل شمخاني وغيرهم من المرتبطين بالحرس الثوري الإيراني فاعلين فيه، سواء كآمرين أو منفذين، وما زالوا كذلك حتى الآن.
يمكن الاستدلال على وجود هذا المخطط من خلال المحتوى العام، البرامج السياسية، كتابات وأفعال المنفذين المباشرين، الدعاية الإعلامية، وتحريض القوات الأمنية والعسكرية، إضافة إلى أشكال مختلفة من العنف ـ بما في ذلك الاعتداء الجنسي، الاعتقالات التعسفية، التعذيب وما يترتب عليه من وفيات مشبوهة وغير معلومة. جميع هذه الممارسات وردت بشكل تفصيلي في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تحت عنوان "جرائم ضد الإنسانية".
حتى في حالة عدم تحقق العنصر السياقي بشكل كامل مسبقاً، يمكن أن تتكون جريمة ضد الإنسانية من فئتين منفصلتين: الأولى، الأفعال غير الإنسانية مثل القتل، الإبادة، وإخفاء آثار الجريمة، بما في ذلك حرق جثث الضحايا بعد الاعتداء والقتل كما ورد في تقارير عن الاحتجاجات الأخيرة، أو التهجير القسري للسكان المدنيين بغض النظر عن العرق أو الجنسية. جميع هذه الجرائم تستهدف المدنيين غير المسلحين.
الثانية، الاضطهاد الجماعي على أساس دوافع سياسية أو قومية أو عرقية أو دينية.
هذه الفئة من الجرائم جرى تجريمها في معظم النظم القانونية حول العالم، ولا سيما في الدول الديمقراطية الأعضاء في الاتفاقيات الدولية للأمم المتحدة، تحت مسميات مثل "جرائم ضد الإنسانية" و"جرائم حرب". وبناءً على ذلك، يجب التمييز بين نوعين من الجرائم: جرائم من نوع القتل، وجرائم من نوع الاضطهاد الجماعي.
وفقاً للمادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن القتل المنهجي، التعذيب، الاعتقالات الواسعة، والاختفاء القسري ضد السكان المدنيين يُعد جريمة ضد الإنسانية إذا ارتُكب عمداً وبوعي بنتائجه. إضافة إلى ذلك، فإن اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب تحظر التعذيب بشكل مطلق، كما أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لعام 1950 اتخذا موقفاً صارماً في منع التعذيب، خصوصاً في أماكن الاحتجاز والبيئات المغلقة.
من أبرز الأدوات لإنهاء إفلات المسؤولين والهيئات القضائية من العقاب على الأفعال غير القانونية، كالتهديد والإكراه والتعذيب ضد المعتقلين والمتظاهرين، هو التركيز على التوثيق الدقيق لهذه الجرائم. وفي هذا السياق، يُعد "بروتوكول إسطنبول 2022" وثيقة أممية تحدد المعايير القانونية الدولية والإرشادات المتخصصة لتوثيق وإجراء التحقيقات القانونية والطبية الفعالة بشأن التعذيب وسوء المعاملة، وله دور مهم في مساءلة المسؤولين ورفع الحصانة القضائية عنهم، خصوصاً فيما يتعلق بالمعتقلين السياسيين.
وبحسب نظام روما الأساسي، تشمل المسؤولية الجنائية كبار المسؤولين، بمن فيهم رئيس الجمهورية، رئيس البرلمان، القيادات العسكرية والأمنية، وكذلك المنفذون المباشرون أو غير المباشرين للتعذيب والأفعال غير الإنسانية، ولا يتمتع أي منهم بحصانة قضائية في هذه الحالات. وفي مجال حقوق الإنسان، لم يعد مفهوم السيادة الوطنية يحتفظ بتعريفه التقليدي، إذ برز مبدأ "مسؤولية الحماية" كأصل أساسي.
إلى جانب ذلك، فيما يتعلق بالوفيات المشبوهة التي تحدث أثناء الاحتجاز أو السجن أو بعد فترة قصيرة من الإفراج، يحظى "بروتوكول مينيسوتا" الصادر نهائياً عام 2017 بأهمية خاصة، إذ يحدد إطار التحقيق في جميع حالات الوفاة المحتملة غير القانونية، خصوصاً عندما تكون الوفاة ناجمة عن أفعال أو تقصير من الدولة أو مؤسساتها أو الجهات التابعة لها، بما يشكل انتهاكاً لالتزام الدولة باحترام الحق في الحياة.
في هذا السياق، تُتهم مؤسسات حكومية وأمنية مثل الحرس الثوري، وزارة الاستخبارات، جهاز حماية السلطة القضائية، والباسيج، في حالات متعددة بانتهاك الحق الأساسي في الحياة. إن وقوع وفاة مشبوهة أثناء الاحتجاز أو في ظروف تُظهر فشل الدولة في الوفاء بالتزامها بحماية الحق في الحياة، يفتح المجال لملاحقات قانونية.
وفي النهاية، تُمهّد هذه الانتهاكات لمسارات قانونية قابلة للتنفيذ أمام المحكمة الجنائية الدولية، آليات تقصي الحقائق، وكذلك المحاكم الوطنية في دول أخرى. ومن خلال الاستفادة من مبدأ الولاية القضائية العالمية، يمكن اعتقال وملاحقة ومعاقبة الجناة الذين يسافرون إلى تلك الدول أو يمارسون فيها أنشطة اقتصادية أو تجارية.
إلى أي مدى يمكن مساءلة الجمهورية الإسلامية عن انتهاكاتها، في ظل التجربة غير الموفقة للقضية المطروحة في السويد، ومع الأخذ بعين الاعتبار سياسة أخذ الرهائن التي تعتمدها، حيث يُحتجز مواطنون من دول مختلفة كورقة ضغط لصالح الآمرين والمنفذين لهذه الجرائم؟ كيف يمكن تقييم هذا الواقع؟
في هذا السياق، يُطرح المبدأ الدولي "مسؤولية الحماية" أو R2P؛ وهو مبدأ يقوم على فلسفة أن السيادة ليست امتيازاً بل مسؤولية. فكل نظام سياسي ملزم بحماية أرواح وممتلكات مواطنيه، وإذا كان النظام قمعياً وإجرامياً ولم يؤدِّ هذا الواجب الأساسي، تنتقل مسؤولية حماية المواطنين إلى المجتمع الدولي.
هذا المبدأ يتضمن إجراءات محددة للدول؛ تبدأ بالدول المجاورة ثم باقي الدول. في المرحلة الأولى، تُطرح إجراءات دبلوماسية واقتصادية، مثل إغلاق أو تعليق عمل السفارات، استدعاء السفراء، وعدم قبول أوراق اعتماد السفراء الجدد من الحكومات القمعية. وبحسب اتفاقية فيينا لعام 1961، يمكن للدول المستقبلة أن ترفض قبول سفير جديد من أي دولة دون تقديم أي سبب.
على الصعيد الاقتصادي، تُطرح العقوبات الذكية والموجهة، مثل فرض عقوبات على كبار المسؤولين الحكوميين كرؤساء السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتجميد أصولهم في الخارج. وقد شهدنا في الأيام الأخيرة تنفيذ بعض هذه الإجراءات من قبل عدد من الدول.
في الأسبوع الماضي، أدرج الاتحاد الأوروبي الحرس الثوري الإيراني في قائمة المنظمات الإرهابية. وردود فعل بعض مسؤولي الجمهورية الإسلامية، بمن فيهم نواب في البرلمان ممن كانوا أعضاء سابقين في الحرس، تشهد على أهمية وتأثير هذا القرار. هذا القرار يوضح أن البُنى الرسمية والظاهرية للنظام الإيراني باتت معترفاً بها دولياً ككيانات خاضعة للعقوبات، وهو ما يمكن أن تكون له آثار عملية ورادعة.
مبدأ مسؤولية الحماية يتضمن في النهاية البُعد العسكري أيضاً؛ ولكن فقط إذا ثبت أن جميع الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية غير فعّالة. ومع ذلك، فإن أحد الانتقادات الجدية هو أن العديد من الاتفاقيات والآليات الدولية، التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، باتت اليوم بحاجة إلى مراجعة وإصلاح جذري. ورغم هذه النواقص، لا تزال هناك آليات قانونية قائمة يمكن استخدامها بشكل عملي وفعّال لدعم الشعب الإيراني.
في الجزء الثاني، نعود إلى الاجتماع الذي صوّت فيه غالبية ممثلي الدول لصالح قرار مجلس حقوق الإنسان بإدانة الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النظام الإيراني. هذا الإجراء يمكن أن يمهّد الطريق لمتابعة قانونية أمام محكمة العدل الدولية، وهي المحكمة التي تملك صلاحية النظر في الشكاوى بين الدول.
إلى جانب ذلك، هناك مسار آخر يتمثل في رفع دعاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية، التي تختص بمساءلة الأفراد الطبيعيين جنائياً. وفي هذا السياق، وبعد أحداث كانون الأول الماضي، تم إرسال الوثائق والأدلة اللازمة إلى هذه المحكمة، وقد تم تأكيد استلامها. كما وُضعت هذه الأدلة أيضاً في يد لجنة تقصي الحقائق والمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بإيران، السيدة ماي ساتو؛ وهي جهات مهمتها الأساسية تسجيل وتوثيق وحفظ شهادات وأدلة الضحايا وأسرهم والشهود.
مجموع هذه الإجراءات يوضح أن مسار المتابعة القانونية، رغم صعوبته، قد فُتح، وأنه من خلال استمرار الضغط الدبلوماسي والقانوني والإعلامي يمكن إبقاء هذه الجرائم الواسعة في صدارة أجندة المؤسسات الدولية وتعزيز مسار المساءلة.